الشنقيطي
76
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كثير « 1 » . وقد فصل أبو حيان على ما قدمنا ، فقال : إن كان بمعنى الحضور ، فالشاهد الإنسان والمشهود يوم القيامة ، ولما ذكر اليوم الموعود ناسب أن يذكر كل من يشهد في ذلك اليوم ، ومن يشهد عليه ، وذكر نحوا من عشرين قولا . وقال : كل له متمسك ، والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أنه من باب الشهادة لأن ذكر اليوم الموعود وهو يكفي عن اليوم المشهود ، بل إنه يحتاج إلى من يشهد فيه وتقام الشهادة على ما سيعرض فيه لإقامة الحجة على الخلق لا لإثبات الحق . وقد جاء في القرآن تعداد الشهود في ذلك اليوم ، مما يتناسب مع العرض والحساب . ومجمل ذلك أنها تكون خاصة وعامة وأعم من العامة ، فمن الخاصة شهادة الجوارح على الإنسان كما في قوله تعالى : حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ فصلت : 20 ] ، وقوله : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [ يس : 65 ] ، وهذه شهادة فعل ومقال لا شهادة حال ، كما بينها قوله تعالى عنهم : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ [ فصلت : 21 - 22 ] ، ورد اللّه زعمهم ذلك بقوله : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 23 ] . وتقدم للشيخ بيان شهادة الأعضاء في سورة يس وفي سورة النساء عند قوله تعالى : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [ النساء : 42 ] ، وشهادة الملائكة وهم الحفظة كما في قوله تعالى : وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ [ ق : 23 ] ، وقوله : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] ، ثم شهادة الرسل كل رسول على أمته ، كما في قوله عن عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : 117 ] ، فهذا وإن كان في الحياة فسيؤديها يوم القيامة .
--> ( 1 ) التفسير 4 / 492 ، 493 .